ما بعد الردع المتبادل: كيف تعيد إسرائيل وإيران رسم قواعد الاشتباك؟
تطورات مشهد الصراع الإسرائيلي – الإيراني: من الردع المتبادل إلى حافة الانفجار
يشهد الصراع الإسرائيلي–الإيراني في الأسابيع الأخيرة تصعيداً متسارعاً في الخطاب والتحركات العسكرية، ينذر بالانتقال من مرحلة “حرب الظل” والردع غير المباشر إلى مواجهة أكثر وضوحاً واتساعاً. سلسلة التقارير والتصريحات الصادرة عن وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية، إلى جانب مواقف رسمية من طهران وتل أبيب، ترسم ملامح مرحلة شديدة الحساسية قد يكون فيها سوء التقدير شرارة لحرب إقليمية واسعة.
أولاً: إسرائيل بين هاجس الضربة الاستباقية واستعدادات الرد القاسي
تجمع القنوات العبرية الكبرى – من “يديعوت أحرونوت” إلى القنوات 12 و13 و15 – على أن إسرائيل تتعامل مع المرحلة الراهنة بوصفها اقتراباً من جولة تصعيد جديدة مع إيران. اللافت أن هذا التقدير لا يقتصر على احتمال هجوم إسرائيلي، بل يترافق مع مخاوف جدية من ضربة إيرانية استباقية، في ظل رصد تحركات صاروخية ومناورات غير اعتيادية للحرس الثوري.
وتشير تقارير “أكسيوس” إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلي أبلغ القيادة الوسطى الأمريكية بقلق متزايد من أن تكون التحركات الصاروخية الإيرانية الأخيرة غطاءً لهجوم مفاجئ، محذراً في الوقت ذاته من أن الخطر الأكبر يكمن في اندلاع حرب نتيجة سوء تقدير من أحد الطرفين، لا نتيجة قرار سياسي محسوب.
في هذا السياق، تؤكد القناة 12 أن أي جولة مقبلة – سواء وقعت قريباً أو لاحقاً – “ستبدأ من حيث انتهت الجولة السابقة”، لكنها ستكون أكثر حدة وأوسع نطاقاً، ما يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن قواعد الاشتباك السابقة لم تعد كافية لضبط المواجهة.
ثانياً: الصواريخ الإيرانية… التهديد الذي لم يُحكَ كاملاً
تكشف تقارير قناة “كان” وهيئة البث الإسرائيلية عن بعد بالغ الأهمية في المشهد الحالي، يتمثل في الاعتراف الضمني بأن الصواريخ الإيرانية حققت إصابات “مهمة جداً” خلال المواجهات السابقة، لكن جرى احتواؤها ضمن ما تسميه إسرائيل “رواية النجاح”.
هذا الاعتراف يتقاطع مع ما أوردته القناة 13 عن تركيز الدائرة المقربة من المرشد الإيراني على تفادي “عنصر المفاجأة” الذي تعرضت له طهران سابقاً، والاعتماد على الصواريخ الثقيلة بوصفها السلاح الأكثر تأثيراً على الجبهة الداخلية الإسرائيلية. وهو ما يفسر القلق الإسرائيلي المتزايد من أي مناورة صاروخية إيرانية، حتى وإن جرى الإعلان عنها رسمياً.
ثالثاً: إيران… تعزيز القدرات والاستعداد للرد
في المقابل، تؤكد التصريحات الإيرانية الرسمية – من قائد الجيش إلى المتحدث باسم القوات المسلحة – أن طهران تراقب “بدقة جميع تحركات العدو”، وتعمل على تعزيز قدراتها العسكرية تحسباً لاستمرار الاستهداف.
وتدعم صور الأقمار الصناعية هذه الرواية، إذ أظهرت قيام إيران ببناء هناجر محصنة للطائرات في قاعدة همدان الجوية، مع مؤشرات على استعدادها لاستقبال طائرات حربية جديدة، يُرجَّح أن تكون صينية الصنع. كما تتابع إسرائيل بقلق ما تصفه بـ”التدخل الصيني” في إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية، وهو تطور يضيف بُعداً دولياً جديداً إلى الصراع.
رابعاً: الدور الأمريكي… دعم مشروط وحسابات أوسع
على المستوى الأمريكي، يبرز الملف الإيراني بقوة في الاتصالات السياسية والعسكرية. هيئة البث الإسرائيلية تشير إلى أن بنيامين نتنياهو يسعى لبحث هذا الملف مع دونالد ترامب خلال الأسبوع المقبل، في ظل حديث عن تنسيق أعمق بشأن البرنامج النووي الإيراني وتعزيز الترسانة الصاروخية لطهران.
تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل تكشف عن تشدد واضح، إذ اعتبر أن إيران “لم تفهم الرسالة كاملة” من الضربات السابقة، واتهمها بالسعي إلى تحصين منشآتها النووية بشكل أعمق، محذراً أيضاً من أن إيران تمثل تهديداً حقيقياً لأوروبا، في لهجة تعكس محاولة توسيع دائرة الضغط الدولي.
في الوقت نفسه، يربط السيناتور ليندسي غراهام بين المسارين الإيراني والفلسطيني، داعياً إلى وضع “ساعة زمنية” لحماس، مع التلويح بإطلاق يد إسرائيل عسكرياً، ما يوحي بإمكانية تشابك ساحات التصعيد في أي لحظة.
خامساً: نحو أي سيناريو يتجه الصراع؟
مجمل هذه التطورات تشير إلى أن الصراع الإسرائيلي–الإيراني يقف عند منطقة رمادية شديدة الخطورة: لا حرب شاملة معلنة، ولا استقرار ردعي حقيقي. الاستعدادات العسكرية، الخطاب التصعيدي، وتضاؤل هامش المفاجأة، كلها عوامل ترفع من احتمالات الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، حتى وإن لم يكن ذلك خياراً مفضلاً لأي من الطرفين.
اللافت أن جميع الأطراف تتحدث بلغة الردع، لكن الوقائع على الأرض – من المناورات الصاروخية إلى التحصينات الجوية والاتصالات السياسية المكثفة – توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة إدارة أزمة مفتوحة، حيث قد يكون الخطأ في الحساب أو التوقيت كفيلاً بإشعال مواجهة لا يمكن حصرها جغرافياً أو زمنياً.
في المحصلة، يبدو أن السؤال لم يعد: هل ستقع جولة تصعيد جديدة؟
بل: متى، وأين، وبأي مستوى من الشدة ستقع؟


