حين تتكلم الأرقام… رئاسة البرلمان خارج دائرة الجدل
في الحسابات السياسية، لا تُحسم المناصب بالشعارات أو الرغبات، بل بالأرقام والتوازنات الفعلية داخل المؤسسات الدستورية. وانطلاقًا من هذا المبدأ، فإن مسألة رئاسة مجلس النواب تخضع لمعادلة واضحة لا تحتمل التأويل.
السيناريو الوحيد الذي يمكن أن يدفع تحالف “تقدّم” إلى التنازل عن رئاسة البرلمان، يتمثل في حالة واحدة فقط: أن تتمكن بقية القوى السنية، مجتمعة، من تحقيق أغلبية النصف + واحد من مجموع التمثيل النيابي للمكوّن السني.
اليوم، الأرقام معروفة وموثّقة ولا تقبل الجدل. تحالف تقدّم يمتلك 35 مقعدًا نيابيًا، في حين أن مجموع ما تمتلكه بقية الأطراف السنية، رغم تعددها، لا يتجاوز 31 مقعدًا. هذه الفجوة العددية ليست بسيطة، بل تعكس تفوقًا سياسيًا واضحًا يمنح تقدّم شرعية الاستحقاق الدستوري لرئاسة البرلمان.
ومن هنا، يبرز تساؤل جوهري:
هل من المنطق السياسي أن تُمنح رئاسة مجلس النواب لقوى لا تمتلك الأغلبية، مقابل حصول تقدّم على سبع وزارات؟
الجواب، وفق القراءة الواقعية، هو أن هذا الطرح غير قابل للتطبيق سياسيًا.
فالقوى المقابلة، إلى جانب ضعفها العددي، تعاني من تشتت داخلي واضح. لكل طرف حزب مختلف، ومشروع سياسي مستقل، وأجندة لا تلتقي مع الأخرى، ما يجعل من الصعب — بل من المستحيل — أن تتشكل إرادة موحدة أو قرار سياسي جامع قادر على إدارة استحقاق بحجم رئاسة البرلمان. وعليه، فإن هذا الخيار لا يخدم تلك الأطراف، ولا ينسجم مع استقرار العملية السياسية برمتها.
وفي ختام المشهد، تبقى الحقيقة السياسية ثابتة لا تتغير بتغير الطروحات: رئاسة مجلس النواب ستعود إلى صاحبها، وفق منطق الاستحقاق والتمثيل، وسيواصل تحالف تقدّم حضوره المؤثر في السلطة التنفيذية من خلال حصوله على ثلاث وزارات سيادية، من بينها وزارة التربية، بما ينسجم مع ثقله النيابي ودوره في المعادلة الوطنية.
السياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار بالعواطف، بل بالأرقام، والتوافقات الواقعية، وموازين القوى الحقيقية.


